ابن عجيبة
446
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ أي : تزوجتموهن . والنكاح في الأصل : الوطء ، من : تناكحت الأشجار : إذا التصق بعضها ببعض . وتسمية العقد نكاحا مجاز ؛ لملابسته له ، من حيث إنه طريق إليه ، كتسمية الخمر إثما ؛ لأنها سببه ، ولم يرد لفظ النكاح في كتاب اللّه إلا في معنى العقد ؛ لأنه لو استعمل في الوطء لكان تصريحا به ، ومن آداب القرآن الكناية عنه بلفظ الملامسة ، والمماسة ، والقربان ، والتغشى ، والإتيان ، تعليما للأدب والحياء . وفي تخصيص المؤمنات ، مع أن الكتابيات تساوى المؤمنات في هذا الحكم ، إشارة إلى أن الأولى للمؤمن أن ينكح المؤمنة ، تخييرا للنطفة . والمعنى : إذا تزوجتم النساء ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ؛ تجامعوهن . والخلوة الصحيحة كالمسّ ، فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها أي : تستوفون عددها ، وتعدونها عليهن ، من : عددته الدراهم فاعتدها ، كقوله : كلته الطعام فاكتاله . والإسناد إلى الرجال للدلالة على أن العدّة تجب على النساء لحق الأزواج ، كما يشعر به ، فَما لَكُمْ . والإتيان ب « ثم » إزاحة ما عسى أن يتوهم أن تراخى الطلاق [ ربما يمكن الإصابة فتجب العدة ] « 1 » . فَمَتِّعُوهُنَّ بشئ من المال ، وهذا في المفوض لها قبل الفرض ، وأما المفروض لها ، أو المسمى صداقها ، فتأخذ نصف مهرها ، ولا متعة لها على المشهور . وَسَرِّحُوهُنَّ سَراحاً جَمِيلًا أي : لا تمسكوهنّ ضرارا ، وأخرجوهن من بيوتكم ؛ إذ لا عدة لكم عليهن . قال القشيري : ( سراحا جميلا ) لا تذكروهن بعد الفراق إلا بخير ، ولا تستردوا منهن شيئا ، ولا تجمعوا عليهن سوء الحال والإضرار من جهة المال . ه . الإشارة : أيها المريدون ؛ إذا طلقتم نفوسكم ، وغبتم عنها بخمرة قوية ، من قبل أن تمسوهن بمجاهدة ولا مخالفة ، فمتعوها بالشهود ، وسرحوا فكرتها في ذات المعبود ، سراحا جميلا ، لا حجر فيه ولا حصر ، فمن رزقه اللّه الغيبة عن نفسه ، حتى غاب عن حظوظها وهواها ، فقد كفاه اللّه قتالها ، فيدخل الحضرة بلا مشقة ولا تعب ، لكنه نادر ، وعلى تقدير وجوده يكون ناقص التربية ؛ لأنه يكون كمن طويت له الطرق للحج ، فلا يعرفها كما يعرفها من سافر فيها ، وكابد مشقتها ، وعرف منازلها ومياهها ، ووعرها وسهلها ، ومخوفها ومأمونها ، وكلهم أولياء للّه تعالى ، لكن طريق التربية أن يكون المريد سلك الطريقة ، وقاس شدائد نفسه ، وعالجها ليعالج غيره بما يعالج نفسه ، على يد شيخ عارف بالطريق . وباللّه التوفيق .
--> ( 1 ) العبارة كما في البيضاوي : [ وفائدة « ثم » إزاحة ما عسى أن يتوهم تراخى الطلاق ريثما تمكن الإصابة ، كما يؤثر في النسب يؤثر في العدة ] .